المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سنة 1945 : فاجعة أدمت قلوب الإربداويين ... غرق خمسة من كشافة إربد في مياه العقبة



Hatem213dz
2011/02/12, 02:28 PM
لم يكن صباح يوم 25 ـ نيسان ـ 1945 م يوما عاديا على أهالي إربد ، فقد نعى الناعي من فوق مئذنتي المسجد الغربي والمسجد الشرقي كما جرت العادة آنذاك وفاة عدد من شباب إربد وجوارها من أعضاء فرقة كشافة اليرموك التابعة لمدرسة إربد الثانوية غرقا في مياه خليج العقبة ، كانت فاجعة بكل ما تحمله كلمة الفاجعة ، فاجعــة إنقضـَّـت على رؤوس وقلوب كل أهالي إربد ، رجالا ونساءً وأطفالا.

كان الشباب في رحلة كشفية إلى العقبة فاستهوتهم مياه خليج العقبة فتراكضوا وتوَّزعوا على قاربين يحملانهم نحومياه خليج العقبة وما دروا أن الموت كان يكمن لبعضهم بين ثنايا الأمواج ليتخطـَّـفهم واحدا بعد الآخر عندما انقلب أحد القاربين ، كانت مفاجأة لم يكونوا يتوقـَّـعونها ، حدث هرج ومرج ، وصراخ وهياج ، وهبَّ الشباب العقباوية بالعشرات يقذفون بأنفسهم في الماء لإنقاذ الكشافة ووضعهم في القارب الآخر لنقلهم إلى الشاطىء حيث بدأ مدير مدرسة إربد الأستاذ بشير الصبَّاغ وقائدا الفرقة الكشفية الأستاذ لطفي عثمان والأستاذ مشهور قناش وغيرهم من الأساتذة يحصون أسماء الكشافة ، وأكتشفوا نقصا في عددهم ، فهبَّ الشباب العقباوية ثانية نحوالماء فوجدوا مياه العقبة تتقاذف كشـَّافين متمسًّـكين ببعضهما البعض ، ترفعهما الأمواج تارة وتخفضهما تارة فهرع الشباب إليهما وأخرجوهما من الماء ليتبين أن أحدهما كان وليد نجل رئيس بلدية إربد السيد خلف التل وكان غائبا عن الوعي ولم يلبث بعد إجراء الإسعافات الأولية له أن صحا من غيبوبته ، أما الآخر فكان الكشـَّاف الشهيد محمد توفيق الخصاونة الذي لم تنجح الإسعافات الأولية في إنقاذه رحمه الله ، كما نجا من الموت غرقا الشاب محمد موسى سالم الرشيدات ، وأخذ الشباب العقباوية يمسحون مياه الخليج علهم يعثرون على بقية المفقودين الأربعة فلم يعثروا على أحد ، فأضطرَّ مدير الناحية وقائد الشرطة في العقبة إلى الإستعانة بكتيبة الجيش البريطاني التي كانت تعسكر في العقبة ، فأرسل الإنجليز عددا من الغطـَّـاسين للبحث عن المفقودين ، ولم يلبثوا أن بدأوا يخرجون من أعماق المياه جثت ثلاثة آخرين من الشباب واحدا بعد آخر ، علي محمد السمرين خريس ، و"أحمد كامل"خليل الرشيدات"شقيق المحامي النائب والوزير لاحقا الأستاذ شفيق الرشيدات" ، ورياض الهنداوي ، وكانت المفاجأة حين أخرج الغطاسون الإنجليز جثة رابعــة تبين أنها جثة الشاب الإربداوي أحمد حامد الجمل الذي كان جنديا في كتيبة للجيش العربي الأردني كانت معسكرة في العقبة وكان عريسا جديدا حيث كان قد تزوَّج قبل ثلاثة أشهر فقط ، فلما سمع بمَقدم كشافة إربد إلى العقبة وكان من بينهم بعض أصدقائه أخذ إجازة ليرافقهم في تجوالهم في العقبة ، وكان قدره أن يكون في القارب الذي انقلب ليغرق مع من غرقوا ، رحمهم الله جميعا.

وتحدث بعض أعضاء الفرقة الكشفية الذين نجوا من الغرق عن مفارقة في غاية الغرابة ، فقد كان الجندي الشهيدأحمد حامد الجمل قد أحضر معه"بابور الكاز"وكمية من الشاي والسكر ليصنع لأصدقائه الكشافة شايا أثناء رحلتهم البحرية في القارب ، ولسبب لا يعلمه إلا الله عزَّ وجلَّ جاء إلى القارب الذي يـُقلـُّـهم أستاذهم الشركسي مشهور قناش وطلب من أصدقاء الجندي محمد الجمل سمير مهيار وعدنان أبوغنيمة الذي كان أصغر الكشافة عمرا وفيصل خورشيد وزهير أبوالسميد ومحمد فايز الصبـَّاغ أن ينتقلوا إلى القارب الآخر ، وجاء بكشافة آخرين من الذين ركبوا في القارب الثاني ليحلـُّـوا مكانهم ، وأبقى الجندي الجمل في نفس القارب الذي انقلب بعد قليل من دخوله مياه العقبة ليكون الجمل أحد الشهداء الغرقى الخمسة.

في إربد خيَّم الحزن فوق كل بيت من بيوت إربد ، عويل هنا ، وصراخ هناك ، ومضت أيام ثقيلة كئيبة حزينة بانتظار وصول جثت الشباب إلى إربد فقد كانت المواصلات من العقبة صعبة ، وكان يوم وصول الجثامين يوما مشهودا ، أغلقت الدوائر والمدارس والمتاجر ، لم يبق أحدّ في أربد إلا وخرج في جنازة الشباب ، رجالا وشبابا وأطفالا ، وتجمَّـعت نساء إربد على ظهر التل في مقابل المقبرة التي تقع على سفحه الشمالي ، ومضت الجنازة من المسجد الشرقي ، مهيبة ، كئيبة ، حملا على أكتاف الشباب من فرقة الكشافة التي كان الشهداء من إعضائها ، كان منهم زكي التل وعدنان أبوغنيمة وسعيدالتل وسلطي التل وسعد التل وسمير مهيار وزهيـر أبوالسميد ومهنـَّـد ألخص ومظهر عنـَّـاب ومحمد فايز الصبـَّـاغ ووليد التل الذي نجا من الغرق وفيصل خورشيد وغيرهم من الشباب ، وكان الجميع ، الرجال والشباب والأطفال في حالة بكاء حقيقي كان أقرب إلى العويل ، حتى إذا اقتربت الجنازة من المقبرة وأصبحت تحت مرمى عيون النساء فوق ظهر التل اندلعت من عند النساء موجة من العويل وشق الثياب وتشليخ الشعر في صورة لم تشهد لها إربد مثيلا ، وأطلقت ثلة من الجند رصاصات في الهواء ، ووسًّد الشهداءُ من شباب إربد في قبور متجاورات لا تزال قائمة في مقبرة إربد القديمة.

لقد كانت حقا فاجعة أدمت قلوب الإربداويين وقلوب كل الأردنييـن من الرمثا إلى العقبة ، وطفق جرحها ينزف على مدى بضع سنوات لاحقات ، وقد خلــَّـد هذه الفاجعة الأليمة الأستاذ الشاعر جميل ذيــاب الذي كان معلما في مدرسة إربد الثانوية بقصيدة مطلعها :.

من المعتلون مـُـتونَ المنون .

أزاهرُ كالفــلًّ والياسمين

كما خلـَّـد الأستاذ مدحت جمعة الذي كان معلما في مدرسة معان عند وقوع الفاجعة"السفير لاحقا"هذه الفاجعة شعرا في قصيدة زوَّدني بها مشكورا الصديق محمد راشد العوض الخطيب :

الشبابُ الغـضُّ يـــا بحـــــــرُ.

توارى فــــي عبــابــــــــك.

ونجـــومُ الفجــــر يا بحــــرُ.

تهاوت فــــي شًـعابــــــــك.

وورودّ من رُبــــــى الأردن .

غـصَّــــت بشـرابـــــــــــــك.

كيفَ يا بحـــــــرُ تـــــوارت.

في جحيم من عذابــــــك.

ودَّعــوا الركـــب وساروا أين ســـاروا ؟،،

وأثاروا من دموعي ونشيدي ما أثاروا ؟،،.



يا شراعا يقطعُ البحرُ بفتيان أبــــــــاة.

دهمتهم قلبـــة عاتيــــة فــــي العاتيـات.

فهَوَوا في القاع ما بين أنين الزفرات.

آهة الشعر عليهم ودموعُ النادبـــات.

ودَّعــوا الركـــب وساروا أين ســـاروا ؟،،.

وأثاروا من دموعي ونشيدي ما أثاروا ؟،،.



وجَـمَ الصحبُ وقد هدْهدَهم حزنّ عجيب.

وعلـى الشط تعالت زفــراتّ ونحـيـــــب.

كلهم يبكي وقد أعماهم الهولُ الرهيـــب.

لا مجيرّ يرحمُ الشكوى ولا البحرُ يُجيب.

ودَّعــوا الركـــب وساروا أين ســـاروا ؟،،.

وأثاروا من دموعي ونشيدي ما أثاروا ؟،،.



نقل البرقُ إلى إربد أخبارا جسامــــا.

إن فتيانك يا إربد قد ماتوا كرامــــــا

هلعَ الناسُ وكلّ أرسل الدمعَ سحابا.

ها هنا ضجَّ عويلّ وهنا خطبّ ترامي



ودَّعــوا الركـــب وساروا أين ســـاروا ؟،،.

وأثاروا من دموعي ونشيدي ما أثاروا ؟،،.



الضحايا تقطعُ الرحبَ إلى المثوى الأخير .

الأكاليل على آثـــارهم هــالات نــــــــــور .

حملتهم آلة ضجـَّـت وعـَـلــَّـت بالصفيـر .

من جنوب لشمال أيها الآلــة سيـــــري.

ودَّعــوا الركـــب وساروا أين ســـاروا ؟،،.

وأثاروا من دموعي ونشيدي ما أثاروا ؟،،.



نزل الخطبُ بناديك وقد صمَّ القضــاءُ.

فافتحي صدرك يا إربد جاء الشهـداءُ.

وأنثري دمعك لا يجديك حزنّ وبكــاءُ

هكذا الأيام هـدم ، ودماء ، وبنـــاءُ.

ودَّعــوا الركـــب وساروا أين ســـاروا ؟،،.

وأثاروا من دموعي ونشيدي ما أثاروا ؟،،.

---------------
جريدة الدستور الأردنية