المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة إنشاء المخيم الكشفي الدائم بجامعة المنصورة «بقلم/ هشام عبد السلام موسى»



Hatem213dz
2012/11/25, 09:19 PM
بقلم/ هشام عبد السلام موسى
أفتخر حقيقة أنني كنت أحد مؤسسي المخيم الكشفي الدائم بجامعة المنصورة، الذي ترجع قصة إنشائه إلى عام 1984م عندما كنت قائدا لعشائر جوالة جامعة المنصورة وكنا وقتها نستعد للمشاركة في الدورة القمية العاشرة لجوالة الجامعات المصرية التي أقيمت بجامعة القاهرة، وكنا نخيم وقتها في ساحة بجوار مكتب اتحاد طلاب جامعة المنصورة في معسكر الإعداد، وذات ليلة مر بنا محافظ الدقهلية وقتها اللواء سعد الشربيني رحمه الله في الساعة الثانية والنصف صباحا، ففوجئ بهؤلاء الشباب الجوالة ساهرون يعملون بدأب كل في مجال تخصصه بعضهم في النماذج الكشفية وبعضهم في النشاط الثقافي فأعجب بهم كثيرا، وقال لي أليس لكم أي مطالب فقلت له نريد أن ننشئ مخيما في جامعة المنصورة نستضيف فيه الدورة القمية القادمة لجوالة الجامعات المصرية فقال لي مر علي في مكتبي غدا ومعك المشروع.
في الصباح أخبرت الفاضلة الحاجة فريال طوبار مراقب عام رعاية الطلاب بالجامعة وقتها بما حدث وكذلك أخبرت المغفور له أحد قادتي الذين أعتز بهم القائد والأستاذ فتحي الأفندي الذي كان وقتها مديرا لإدارة الجوالة بالجامعة، فأشاروا علي بالذهاب للمحافظ في الموعد والتأكيد على ما طلبته وكانوا متضامنين في هذا الأمر، فذهبت إليه في الموعد وكم كان رجلا متواضعا ودودا في لقائه محتفيا بي أشد احتفاء وترحيب، وترك كل من لديه من كبار الموظفين والضيوف وقال لهم لنرى الشباب أولا ماذا يريد؟ فعرضت عليه الفكرة في استضافة الدورة القمية لجوالة الجامعات، وأن ذلك يتطلب إقامة مخيم دائم نستضيف عليه الدورة، وأننا في حاجة لدعم المحافظة وتأييدها في هذا الطلب، فقال لي وماذا ستقدمون للمحافظة بالمقابل، فقلت له إننا في كل تجمع للجوالة ننظم مشروعا للخدمة العامة وتنمية المجتمع لخدمة المكان وأنا اقترح أن يكون مشروعنا في مدينة المنصورة هو إنشاء حديقة عامة في موقع جزيرة الورد، فهذه الجزيرة هي بمساحة 28 فدانا من طرح النيل وتقع في وسط النيل بين مدينتي المنصورة وطلخا، وهي مهجورة ومرتعا للعابثين من تجار المخدرات وغيرهم، فأعجب كثيرا بالفكرة، فقلت له سلموها لنا وسوف نعيدها لكم حديقة حقيقية وسيتم كل شيء تحت إشراف مهندسي المحافظة فسيكون لدينا ما يقرب من 600 جوال فاعتبرونا القوة البشرية للعمل وتحت إشرافكم فقبل بالفكرة وقال لي دعني أرتب الأمر وسيأتيك جوابي.
في اليوم التالي ونحن في معسكر الإعداد بالجامعة فوجئت برئيس الجامعة آنذاك الدكتور كمال الدين أحمد، ومعه نائب رئيس الجامعة الدكتور عبد الفتاح حسن، ومعهما الدكتور إبراهيم المهدي وكان وكيلا لكلية التجارة وأمينا للشباب، وقدموا في زيارة مفاجئة للمعسكر وقال لي رئيس الجامعة غاضبا: أنت رايح تشتكيني للمحافظ، فقلت له: أنا لم أشتكي أحدا ولكني كممثل لاتحاد طلاب الجامعة، وكقائد لعشائر الجوالة بالجامعة من حقي أن أعبر عن احتياجنا كطلبة وكجوالة، وهذا أمر لا ينكر، وكان في الحديث حدة بعض الشيء، وكان موجودا القائد فتحي الأفندي رحمه الله فتدخل كل من الدكتور عبد الفتاح حسن والدكتور إبراهيم المهدي لتخفيف حدة التوتر في الحديث بيني وبين رئيس الجامعة، فقال الدكتور كمال أحمد طيب يا سيدي وأين تختارون مكان المخيم فقال الحاج فتحي هناك قطعة أرض في خلفية الجامعة بجوار المشاتل الخاصة بكلية الزراعة وهي غير مستخدمة وهي مناسبة لنا تماما (وكان بيننا اتفاق على ذلك الأمر من قبل) فقاموا باستدعاء المسئولين بالإدارة الهندسية وأحضروا خرائط الجامعة وتم تحديد الموقع على الخريطة، فقال الدكتور كمال خلينا نشوفه على الطبيعة، فذهبنا لمعاينته، وكانت أرضا جدباء مهجورة تملؤها الحشائش والبوص العالي ، المهم أنه وافق على تخصيصها كموقع مخيم كشفي دائم.
بقيت المشكلة أمامنا هل تستطيع الجامعة في خلال سنة من تاريخه أن تنشئ كافة المنشآت اللازمة للمخيم من مرافق ودورات مياه ومطعم وخلافه، وكان ذلك هو التحدي، وكان باقي من الزمن يومين قبل سفرنا للقاهرة للمشاركة في الدورة القمية العاشرة للجامعات، ونحتاج إلى قرار حاسم في هذا الأمر لأنه سيترتب عليه مدى تقدمنا بطلب علم تنظيم الدورة القادمة أم لا، ففي اليوم التالي حضر مرة أخرى الدكتور عبد الفتاح حسن نائب رئيس الجامعة إلينا في المعسكر وجلس معي أنا والقائد المرحوم فتحي الأفندي وقال لي يا هشام أوعدك أني سأبذل قصارى جهدي لتحقيق تلك الغاية بس الوقت ضيق وأنا كلفت الإدارة الهندسية في الجامعة لعمل الرسومات التخطيطية للمخيم ومنتظر ردهم حول إمكانية تنفيذ المهمة خلال عام أم لا، فسافر أنت وجوالتك لحضور الدورة وسوف أرسل لك مرسال إما بالإيجاب فتتوكل على الله وتطلب علم الدورة القادمة أو بالسلب فنأجل طلبنا للدورة التالية لحين نكون مستعدين لذلك تماما، فوافقت على ذلك، وسافرنا للقاهرة، وبدأت التربيطات بشأن طلبات استضافة الدورة القادمة بتنافس شديد من جامعة عين شمس وكان قائدها أشرف رمضان وجامعة الإسكندرية وكان قائدها عصام الفولي وجامعة حلوان وكان قائدها الأخ العزيز الدكتور نور الدين جمعة، ولم استطع أن أتفوه بكلمة لا مؤيدا ولا طالبا ولا رافضا وكنت منتظرا رد الدكتور عبد الفتاح حسن، وبعد يومين أرسل لي مندوبا هو الفاضل/ مصطفى عسكر وكان يعمل في إدارة الجوالة، ومعه رسالة فتحتها فإذ بها طلبا رسميا من رئيس جامعة المنصورة يطلب استضافة الدورة القادمة وقال لي مصطفى عسكر الدكتور عبد الفتاح يقول لك توكل على الله وربنا يوفقك، كانت فرحة غامرة لي ولكافة أعضاء الوفد ، وبادرت بالإعلان عن رغبة جامعتنا في استضافة الدورة وخضت صراعا كبيرا بين الجامعات المتنافسة حتى انتهى الأمر بأن تنازلت جامعة عين شمس لي، وتنازلت جامعة حلوان للإسكندرية وصار التصويت بيني وبين الإسكندرية فحصلت على تسعة أصوات مقابل ثلاثة أصوات للإسكندرية ، وفزنا بالعلم
عدنا للمنصورة ولدينا مسئولية كبيرة هي إقامة المخيم هذا التحدي الكبير، الذي قاده وإدارة المرحوم فتحي الأفندي رحمه الله وكنا لازلنا في أجازة الصيف، فأعلنت عن اجتماع عام لكافة عشائر الجوالة بالجامعة حضره 165 جوالا وقائدا، وحددنا معهم خطة العمل وبدء أول مخيم لتمهيد الأرض التي استلمناها وإزالة ما بها من مخلفات وحشائش عالية، وحددنا موعدا للمعسكر، ولكن للأسف حضرت في الموعد في مكتب إدارة الجوالة لدى الأستاذ فتحي الأفندي، ومعي ملابس العمل، وظللنا ننتظر قدوم أحد ولا أحد، فحملت حقيبة ملابسي وهممت بالانصراف فقال لي إلى أين قلت إلى الأرض نازل أشتغل، قال لوحدك قلت نعم أنا لن أنتظر أحدا، وانصرفت آخذا معي أدوات العمل من فأس وجاروف وبدأت العمل في أول نقطة بالمخيم وكانت الجو صيفا حارا، ولكن إرادة العمل فوق كل اعتبار، وبعد ساعة حضر الجوال رضا الحلو، وبعد ساعة حضر القائد غنيمي عبد الغني الذي كان يعمل بقدر كتيبة كاملة، وفي اليوم التالي زدنا خمسة وفي اليوم التالي زدنا عشرة، كما نزل للعمل معنا يدا بيد أساتذة أفاضل من الشباب الذين كانوا يعملون في إدارة الجوالة موظفين ولكن كانوا أبرز من المتطوعين ومن بينهم الأساتذة، مصطفى مجاهد (مدير عام الإستاد الرياضي بالجامعة حاليا)، والقائد أحمد الجاكي (مدير عام الاستحقاقات برعاية الشباب حاليا)، والمرحوم هاني شنودة، ومن القادة والجوالين الزملاء محمد بدير أبو سراري، ومجدي يوسف وعصام عبد العزيز ويسري فتحي الدغيدي، وكذلك المرحوم الحسيني عبد المطلب.
عام كامل لم أدخل فيه منزلي إلا لمما رغم قرب بيتي من الجامعة، واصلنا خلاله العمل ليل نهار، حصلنا على 200 شجرة تم قطعها لشق طريق جديد فأعطانا إياها المحافظ سعد الشربيني فقصصناها وصنعنا منها سورا للمخيم، وزرعنا المخيم كاملا بالنجيلة الخضراء، ودعونا قيادات الكشافة المصرية الكبار للمساهمة في تشجير المخيم فحضر وقتها المرحوم جمال خشبة وكان رئيسا لجمعية الكشافة الجوية آنذاك والمرحوم الفريق طيار سعد الدين شريف الذي كان وقتها رئيسا للاتحاد العام للكشافة والمرشدات، وكانت أولى الشجيرات التي زرعت في هذا المخيم بأيديهما، ثم فتحي الأفندي ثم أنا ثم بادر كل جوال وقائد من العشيرة بزراعة عشرة شجيرات حول سور المخيم، وتولى مسئولية رعايتها وريها طوال عام بعد ذلك، كما بدأت الإدارة الهندسية في أعمال إنشاء المطعم والمكاتب الإدارية للمخيم والمخزن والمرافق ودورات المياه، فكنت وأعضاء العشيرة يوميا نذهب لمساعدة المقاول في أعمال البناء وحمل الحديد والأسمنت والرمل والبلاط لتوفير قوة بشرية له حتى ينجز المطلوب في أسرع وقت ممكن، عام كامل من التضحيات الضحك والجد والمواقف الرجولية .. عام كامل تحت الشمس والبرد والهواء والنوم في عراء المخيم، واكب ذلك عمل بوابات خلوية من أشجار النخيل، وبرجولات، وأندية خلوية مصنعة بالشجر، وأبراج شاهقة من الشجر، وتقسيم الأرض إلى أحواض للتخييم وزراعة حدودها بالشجر، وعمل تمديدات المياه لكافة المواقع للري وتركيب المبردات، وعمل نقاط الكهرباء في خلفية كل أرض، ومصاطب للتخييم، وإنشاء المسجد وغرفة الإذاعة
ثم كان افتتاح المخيم رسميا مواكبا لافتتاح الدورة القمية الحادية عشرة لجوالي الجامعات المصرية في يوليو 1985م، وتم تكليفي من قبل رئيس الجامعة قائدا عاما للدورة، وتكليف المرحوم القائد/ فتحي الأفندي مديرا للدورة، وكانت من أنجح الدورات تنظيما وإدارة وبرنامجا وتجديدا في وقتها، وشارك فيها وفود 17 جامعة تقريبا مع بعض الضيوف من الكشافة من فرنسا وإيطاليا، وكان من أهم إنجازات تلك الدورة الخالد، هو تنفيذ مشروع حديقة جزيرة الورد، القائمة حاليا في مدينة المنصورة والتي تعتبر المتنفس الوحيد حاليا لأهلها، وقد تم تقسيمها حاليا إلى أندية اجتماعية وحديقة عامة، ونادي للشرطة، ونادي للعاملين في الجامعة وموقع مميز بطولها على النيل.
كانت تلك رحلتي في إنشاء المخيم الكشفي الدائم بجامعة المنصورة الذي أعتز وأفخر أنني كنت من المساهمين ولو بقدر يسير في إنشائه، وفي كل أجازي لي إلى مصر منذ 23 عاما لا بد لي من زيارته الجلوس فيه أنا ونخبة من الأصدقاء نستعيد الذكريات ونترحم على من غادرنا من قادتنا من الأصدقاء والأحباب, وسيبقى مخيم جامعة المنصورة يحمل طابعا خاصا من الجمال كحديقة غناء بالخضرة الشجر ومئات من المعسكرات واللقاءات والدورات التدريبية وآلاف من الشباب خيموا فيه واستمتعوا بخدماته وطبيعته المميزة...



44155
44157
44158
حقوق الصور للقائد هشام عبد السلام موسى