المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اكيد لم اكتبها انا لكنها اعجبتني و ارجو انتم ايضا ؟؟؟؟؟؟؟


alexsanderna81
02-06-2005, 10:59 AM
نَزيلُ الماء









ولَمَّا لَم٧ يأت إلينا هذا العام ، بَدأ الهَمسُ تِل٧كَ الليلة مِثلما كان قَد٧ بدأ بَيننا عِن٧دَمَا شعرنا بهِ يعدو في الظلام كما لو أن أحداً ما يطارده... أين هو ؟ ?? ولماذا تأخر هذا العام؟... وكيف يَحدثُ مِثل هذا الأمر ؟... كما لو كُنّا في حُلمٍ مزعج كان عَلينا تصديقَهُ بمرور الأيام.



لكنه رُبَّما على غير عِلمِنا كان يأتي وتتوالى زياراته ، خِلسةً خلسةً يَدبُّ بيننا كما ارتعاش خافق للحياة في الجذور اليابسة أو يهبط بغتةً مثل ملاك ، ورُحنا نُرهِفَ السمعَ كُلّ ليلةٍ غايةَ الرهافة عَلَّنا نَسمعُ " تَمَطُقَ خُفيّه" أو حَفيفَ ثَوبِهِ المنقوع وهو يَتعثرُ بِكوزِ ماءٍ هنا أو جرَّةِ فخارٍ هُناك وهو يَخرجُ إلينا كُلّ عام مع خُطى الفَجرِ الوئيدة رُبَّما مِن٧ تحت الماء أو مِن٧ السماءِ وربَّما مِن٧ اللامكان ، كان يَنسلُّ إلينا كنفث من ضباب أو سراب عبر شقوق أبوابنا المُرَتجة ويجوس في غُرفِنا الفارغة ذاهباً آيبا على أطراف أصابعه ، صامتاً لا يكاد يقول شيئاً طِوال الليل ، لا نكاد نسمع لَهُ صوتاً إذ هو يَمرق بمحاذاة بيوتنا ، عدا تِل٧كَ الهسهسة الجافة لإنسحاق عُشبٍ يابس ، كما لو أنها آتية من لا أحد ، بَل٧ من لا مكان.



ما كان أحد في قريتنا قَد٧ فكر أنه سيغيبُ عنّا يوماً أو بعض يوم ، كان يأتي إلينا مُحمّلاً بالربيع كُلّه على غَيمةٍ من نور و تهطلُ عِند مجيئِهِ غزير الأمطار فتكاد تغرقنا السيول ونصطاد من الأسماك أضعاف ما كُنا نصطاده ونحصد من الغِلال أضعاف ما بذرنا وتلد مواشينا توائمها . ما أطيب شذاه وما أروعه حين تهرع إلينا رؤاه ! لكن ما أقسى حقيقة القول إننا لم نَرهُ مرةً مثلما رآه(( صاحب )) خفير مضخة الماء ، ذات مشهد من الليل المهيب، بلا رأس ولا يدين ، وهو يخرج إليه من بَط٧نِ الماء ويعتلي صهوة الريح كالدخان ، زوابع من رياح أواخر شباط الأزرق ، سمعناها وهي تدقُ على خشب أبوابنا وزجاج نوافذنا ، فتختلج قلوبنا الواجفة رهبةً ولهفةً لِما يتراءى لنا منه ، رغم أن الواحد منا قَد٧ قرر أخيراً ألا يخاف إذا ما ظهر لَهُ في قَفر الشطآن ، بَل٧ عزمنا جميعاً على أن نتحدث إليه وندعوه إلى بيوتنا ونسقيه ونطعمه بعد أن كنا نتوجس من اقترابه الحثيث إلينا.



ما كان أشدّ ولعنا به عِن٧دَمَا كان يأتي ! كنا نداريه أرقّ مداراة ، نترك لَهُ أينما شعرنا بوجوده دثارات سميكة من أغطيتنا ونيران متأججة من مواقدنا خشية أن يصيبه البرد وهو الذي خرج لتوه من بطن الماء ، ما رأينا مخلوقاً ابرد منه ! ليال طِوال ونحن نسمع رجيفه وأزيز مائه وهو يقطر بغزارة فوق جمر مواقدنا ، وإذ يهجع بعد استشعاره الدفء ، كنا نسمع أنفاسه الهادئة ، لكن ما أبردها من أنفاس!



نجد , دائما في صباحات الشتاء , غشاوة كثيفة من ضباب تِل٧كَ الأنفاس كأنه ترك لنا ملامحه المائية فوق زجاج نوافذنا ورحل من هناك ، وعلى عتبات بيوتنا المتلاصقة كنا نجد بقايا من آثاره ، هي خليط غريب من قشور أسماك وأصداف وشموع وأزرار منسية وفراشات ميتة وريش عصافير وبقع ماء وخصلات شعر لا نعلم إن كانت مخضبة بدم أو حنّاء.



لَم٧ نكن في البدء نصدق حكاية مجيئه ، كانت بالنسبة لنا محض تهيؤات يقظة أو منام ، حتى إذا ما وجدنا أنامله الرهيفة قَد٧ مرّت على غبار مرايانا ، أيقظنا من أحلامنا حشدُ وقعٍ من خطاه ،كان يأتي ملتفعاً غلسَ أول الليل أو آخره فيئِزُ الصمت في قَفرِ الطُرقات كأنَّما الأشياء جميعاً تصبح رَه٧ن إشارته فلا نرى منه إلا ما تقع عليه أطرافُ أبصارِنا من ذؤابات حركته الخَفيّة في الجوار ،ونَلمحُ أذيالاً من وهج طيفه الذي يختفي أكثر مِما يظهر بمنجى عن الأنظار ، لكنه عن كثبٍ كان يُراقبنا ويسمعنا بَل٧ ويعرف أسماءنا كُلّها.



أي اندفاع جريء غير آبه بالموت هذا الذي قام به عند خروجه إلينا ذات يوم ! يجر معه سيولاً من الماء نحو النار التي كادت أن تأتي على كُلّ محصولنا ، تتمايل قامته المديدة وسط النار مثل عمود من الدخان الأبيض ، ما كان أروعه تِل٧كَ الليلة ! تَحفُّ به النار من كُلّ جانب وهو يتهادى في سيره مثل ملاك ، لكننا لم نره مثلما رآه صاحب , خفير مضخة الماء الذي كان عن كثبٍ قَد٧ رآه وقال لنا : ما أجمله لو تدرون ! كيف يشع وجهه النوراني وهو يقطر ماء ، لَهُ عينان واسعتان كأنَّما عينا جواد ، فيهما وهجُ اتقادٍ من أسى ، هو الأسى القديم ذاته ، لكنهما ما كانتا تحدقان بشيء البتة ، لا يرتدي غير مئزرٍ ابيض يلتصق بجلده الشَفَّاف كأنه هلام أو الزلال.



يثير فينا مجيئُه عواطف وذكريات قديمة ، تعصف بأرواحنا عصفاً ، فنلجأ إلى الصور المعلقة على حيطان غرفنا المُجَصصة لَعلَّنا نرى شبيها لَهُ ونشبع شوقنا إليه بَل٧ طَفِقنا ننتظره قُبيل كُلّ فجر ومساء نحمل الأضاحي والقرابين ، كأن فينا شيئاً يشدُّنا إليه شدّاً بعد أن شحّت المياه أثر غيابه عنّا ، ونفقت الأسماك وأُصيبت ثمارنا بلفحة الشيطان ، ظاهرها تبقعٌ مجدور ، وباطنها تنخره الديدان , فرحنا نحمل مصابيحنا ومشاعلنا اليدوية ونخرج للبحث عنه من أَوَّل الليل حتى آخره بين الضفاف والشطآن ، وجيء بصفائح البترول ورحنا نسكبه بلا حساب فوق الإطارات المستعملة وصعد البعض منا إلى أسطح المنازل وأضرموا النار فوقها خشية أنه ضَلَّ الطريق إلينا هذا العام . وعندما يتوقف سائقو الشاحنات على مشارف الطريق السريع حال رؤيتهم لنيراننا المتأججة ، نقول لهم لَسنا في حريق ، إنما فقدنا أثره ويُخشى أنه قَد٧ ضَلَّ الطريق ، فيصابون بالهلع الكبير ويبادرون على الفور ، إلى الاتجاه بمصابيح سياراتهم صوب حلكة الظلام لعلهم يسهمون في العثور عليه ، وكنا نسمع غمغمة دعواتهم تلتمس رحمة الله .



وراحت نيراننا تتأجج كُلّ ليلة وتزداد ضراوة وهي تضيء ما حولها من أرض وماء وسماء ، و امتدت ألسنة اللهب إلى أحراش القصب حتى الحدود البعيدة للآفاق فبدت بنيرانها وكأن تِنِّينا قَد٧ مر بها ووصلت النار إلى زرائب التبن والمواشي فخرجت أبقارنا و جواميسنا وأغنامنا هاربة من النار التي علقت بذيولها وظهورها الملتهبة فاشتعلت البيوت المواجهة للريح وعشنا هلعاً وخيماً في فترة مشحونة بالانفعالات والأسى.



وعلى مشارف تِل٧كَ الليلة ، ونحن ندير أعيننا في حيرة مرة رأينا ضوءاً يسطع وينطفئ في الأفق البعيد، فخُيّل إلينا انه جاء وراح يبادلنا الإشارة بالإشارة ، لكننا اكتشفنا بخيبة أمل أن الضوء الساطع هذا ، كان ينبعث من قارب صيد على حافة مسطحات الماء ، فصبرنا ما شاء الله لنا أن نصبر وتمددنا تحت أغطيتنا على مضض دون أن يغمض لنا جفن.



لكن قبيل الغبش بقليل، وبينما نحن نرهف السمع إلى خطى الفجر الوئيدة ، سمعنا صوتاً لم يكن من عزف الريح في أحراش القصب إنما كان صوتاً غامضاً ذا لكنة آدمية مُغمغِمة هي أشبه ما تكون بنداء ، لكن ما أجمله من صوت وهو ينادي علينا بأسمائنا كلها ، في نبرة أقرب إلى النحيب منها إلى الكلام ، فخرجنا إليه رجالاً ونساءاً وأطفالاً في لهفةٍ للُقياه.



ما كُنا قَد٧ رأيناه قبل ذلك اليوم المشهود ولا بعده ، في مثل هذا البهاء كُلّه وهو يمر على مقربة منا مثل قمر ترجرجت هالته المنعكسة فوق سطح النهر ومضى مسرعاً في دفقٍ من سيول الماء.