المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علمتني الكشفية .. (1)



menzalji
2007/02/04, 01:48 PM
رامي منزلجي
المفوض الدولي لكشاف سورية


في مدرستي الابتدائية في ذلك الزمن البعيد .. ذلك الزمن السعيد .. زمن الطفولة والفرح والانطلاق .. حيث لم يكن لانطلاقتنا حدوداً إلا السماء . زمن حارتنا القديمة المرتمية عند أطراف المدينة , وشارعنا الذي كان آخر حدود العمران, وبعده البساتين والحقول, وأفق بعيد لا يقطعه سوى منظر الجبال الضبابية الممتدة في سلسلة عظيمة على الساحل الشرقي للمتوسط .
زمن رفاق, الحي وزملاء المدرسة . زمن همومنا الصغيرة وآمالنا الوثابة الرحبة ,التي كانت تجوب بنا الآفاق وتحملنا إلى عوالم سحرية من الخيال . في ذلك الزمن الجميل الذي أحبه وأحن إليه . وفي مدرستي التي كانت نموذجية في ذلك الوقت بساحتها الواسعة وصالاتها المتعددة ومسرحها الكبير وصفوفها الرحبة ومقاعدها الخشبية التي ملأناها من خربشاتنا وضحكاتنا وعمرنا الغض الصغير. في ذلك الزمن كان لي أول لقاء بالكشفية .


كان في مدرستي هذه معلم يتولى تدريس صف غير صفي . طويل القامة أسمر اللون ضخم الجثة قاسي الملامح يضع نظارة طبية داكنة اللون تخفي عنا عينيه . وكنت كما غيري من التلاميذ نخشاه, ونتجنب عصاه التي تطال كل مخالف أو مشاغب .
في الصف الخامس تشكلت في مدرستي فرقة كشفية بما كان يعرف بالكشاف المدرسي . وصادف أن يكون هذا المعلم هو المكلف بقيادة هذه الفرقة . وقد قام باختيار التلاميذ ليكونوا كشافين في فرقة المدرسة . وكان اسمي بالصدفة من بين المختارين , ولست أدري على أي أساس تم الاختيار . غير أن تلك الصورة السلبية عنه سرعان ما تغيرت عندما انتسبت إلى الفرقة , وتعرفت إليه عن قرب وعرفت أن مظهره القاسي يخفي شخصية محببة ولطيفة , عندما كان يحدثنا عن الكشفية ومبادئها ونشاطاتها وألبستها المميزة ومخيماتها بين الغابات والأدغال , والغرائب التي تنتظرنا فبها . فتحلق بنا المخيلة في آفاق واسعة من المغامرات و البطولات الدونكيشوتية فنظننا سنكون أنداداً لطرزان أو للسندباد البحري . وكانت هي المرة الأولى التي أسمع فيها بكلمة كشاف .


بعد أيام قليلة أعلن قائد الفرقة عن قيامها برحلة كشفية سيراً على الأقدام . وكانت فرحتي ورفاقي لا تقدر بثمن فروح المغامرة تملئ نفوسنا الصغيرة وخيالات المجازفة تعشش في أحلامنا وعقولنا .
وتدبر لنا على عجل لباس كشفي من المدرسة . وأذكر بفرح عظيم روعة ارتداءه لأول مرة في حياتي .
في نهاية الدوام حملت اللباس الكشفي معي إلى البيت وكأنني أحمل ثروة بين يدي . وجربته في البيت عدة مرات, وتأملته طويلاً وحرصت على توضيبه ووضعه قرب سريري .
لم أنم ليلتها وأنا أحلم بالرحلة تملؤني خيالات عن المغامرات والمخاطر والعقبات التي تنتظرني بالغد وكيف أتخطاها بقوة مزهواً بلباسي الكشفي .
في الصباح الباكر استيقظت قبل الجميع , وارتديت ملابس الكشاف ونزعت حبل الغسيل عن الشرفة ولففته بعناية لأن المعلم طلب منا إحضار حبل للمواقف الصعبة ولاستعماله عند الضرورة .وضعت الحبل داخل حقيبة صغيرة أعدتها لي الوالدة . وحمّلتني معها توصياتها وتنبيهاتها ودعاؤها وملاحظات كثيرة بأن أحسن التصرف ولا أبتعد عن الجماعة وأن أطيع المعلم وأبقى مهذباً ونظيفاً .
وشعرت حينها بضخامة المهمة التي أنا بصددها , وغموض المغامرة التي تنتظرني . وحافظت على كل توصيات الوالدة إلا موضوع النظافة , حيث تلطخت ملابس الكشاف بالطين وترك عليها العشب الأخضر بقعاً ملونة , وتعمشق في جرابي الطويل بقايا أعشاب وأشواك . أما الحذاء فلم يعد لونه معروفاً .


تجمعنا باكراً في المدرسة وكانت المرة الأولى التي أذهب فيها إلى المدرسة يوم الجمعة . كنا حوالي عشرين تلميذاً أو أكثر بلباسنا الكشفي الموحد وحقائبنا الصغيرة وأحلامنا الكبيرة . فرحين جداً رغم بعض الرهبة مما ينتظرنا من مغامرات , وكيف سنواجه وحوش الغابة وحيواناتها المفترسة . ونمضي سيراً على الأقدام في طرقات لا نعرفها , والى أرض تخيلناها غابات الأمازون .
كانت الرحلة إلى مصب نهر قريب من المدينة يبعد حوالي 7 كم. اتجهنا أول الأمر نحو الشاطئ الغربي للمدينة ثم انحدرنا في طريق فرعي محاذ للبحر وبعده انعطفنا يسارً لنمر ببوت صغيرة متواضعة تقطعها البساتين القريبة من الشاطئ .
وأصبح ورائنا منظر البيوت المتراكبة فوق الهضبة التي تشكل الطرف الغربي للمدينة. سرنا برتل أحادي يتقدمنا المعلم وتلميذ أكبر منا سناً يحمل علماً عليه ماعرفناه بشارة الكشاف . وعيون السكان تراقبنا باستغراب وتعجب , وتبعنا بعض الصبية من بعيد لمسافة محددة ثم عادوا أدراجهم . طريق ترابي رملي ضيق تلونه أحياناً ظلال الأشجار , وتتركه تارة أخرى تحت نور الشمس اللامع .
بعد مسير شاق طويل خلناه لن ينتهي أبداً, وصلنا مصب النهر حيث غابة صغيرة من أشجار الصنوبر تبدع مساحة خضراء ظليلة . كانت ملجأً رائعاً لنا في وقت الظهيرة . والنهر ينهي رحلته الطويلة بين سهول اللاذقية وجبالها ويرتمي متعباً مثلنا في أحضان البحر . شعرنا حينها بأننا وصلنا إلى آخر العالم .
علمنا القائد أثناء الرحلة بعض المهارات الكشفية . واستمتعنا كثيراً بتتبع الأثر. وصنعنا حمالة من عصاتين وغطاء . ولعبنا وعدونا وضحكنا وكانت سعادتنا لا تتسع لها مساحة الغابة الصغيرة .
وكانت تجربتنا الرائعة في كيفية شرب ماء النهر بعد تعقيمه . ملأنا وعاءاً معدنياً من ماء النهر
وقام القائد بإشعال النار بعود ثقاب واحد . وضعنا الإناء عليها حتى غلىا لماء وانتظرناه طويلاً جداً حتى يبرد ثم شربنا ه وهو نصف دافئ , وأصر كل واحد منا على الشرب لتجربة طعمه وكأنه ماء من المريخ .


كانت هذه الرحلة العجيبة الرائعة , هي أول وآخر نشاط لفرقتنا الفتية . فقد انتقل المعلم من مدرستنا وانتهت معه الفرقة الكشفية . رغم وعود مدير المدرسة بأنه سيعاود تشكيلها من جديد .
أنهيت المرحلة الابتدائية , ولم تعاود المدرسة تشكيل فرقة كشفية أخرى . إلا أن هذه المغامرة اليتيمة أشعلت في داخلي حباً عظيماً للكشفية . ازداد وتعمق في كل يوم ورافقني طيلة حياتي . التي بلغت فيها من العمر عتياّ ولا تزال تسكنني روح المغامرة الطفولية الرائعة .
شكرا للصدفة التي أغنت حياتي ولونتها بأروع الألوان وأسفي على التلاميذ الذين لم يختارهم المعلم في فرقته لما خسروه من تجارب رائعة عشتها في حياتي الكشفية الطويلة .

محمد عبد الله الحارس
2007/02/04, 03:22 PM
أبدعت في طرحك للموضوع ومازاد ابداعك هو قدرتك الواضحة في التحكم بالألفظ اللغوية ..

لننظر إلي


وصلنا مصب النهر حيث غابة صغيرة من أشجار الصنوبر تبدع مساحة خضراء ظليلة . كانت ملجأً رائعاً لنا في وقت الظهيرة . والنهر ينهي رحلته الطويلة بين سهول اللاذقية وجبالها ويرتمي متعباً مثلنا في أحضان البحر

أبدعت في هذا التعبير البسيط حيث تنقل قارئ هذه الكلمات إلي جو مشابه تماما إلي المكان ..

لاأشك في أنك قاص ماهر أرجو أن نري ذلك ..

دمت بخير ..

غالـــي الطاهر معمر
2007/02/07, 05:37 AM
مشاء الله على هذه التعابير الرائعة ... وعلى هذه الكلمات الجذابة للموضوع

والمشوقة إن صح التعبير ...

شكراً على هذا التألق المبهر لأعين الجميع

menzalji
2007/02/19, 02:22 PM
أنا رامي منزلجي كاتب الموضوع . وصلتني رسالة مقتضبة جداً من الأخ عبد القادر الحصادي
يطلب فيها التعرف علي .
وقد سرتني هذه الرسالة جداً رغم قصرها الشديد ورغم أنها لا تحمل أية معلومات عن الأخ المرسل .
الا أني أجيبه ولكل من يحب أن يعرف معلومات عني .
اسمي رامي منزلجي . من مواليد اللاذقية , سورية عام 1956 أعمل مهندس ديكور . وأنا كشاف منذ فترة طويلة جداً . مهمتي الكشفية الآن عضو اللجنة التنفيذية العليا لكشاف سورية .المفوض الدولي لكشاف سورية . هواياتي الكتابة والقراءة والسباحة
أشكر كل المهتمين بموقع الساحة الكشفية.
وآمل التواصل المستمر مع الأخوة في الكشافة العربية .

القائد بدر الدين
2007/02/26, 09:09 PM
شكرا جزيلا قائدي العزيز على تقاسمك ذكريات الطفولة معنا، و أتمنا عليك أن تحكي لنا المزيد من هذه القصص الشيقة ، فقد أثرت فعلا فضولنا و أوقدت شهيتنا لمعرفة المزيد.
وددت لو تخبرنا كيف تصرفت بعد ذلك، هل قمت بتأسيس فرقة للكشافة فيما بعد ؟ أم انتسبت إلى فرقة موجودة فعلا ؟ و ما هي الأنشطة التي كانت تميز الكشفية آنذاك ؟

محرم صقر
2007/02/27, 04:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
شكرا جزيلا على القصه الجميله بس لو كان معاها صور كانت هتكون أجمل
المهم أنا صديق جديد على المنتدى ومحتاج للكثير والكثير عن الحركه الكشفيه
لكى أعرف بها المجموعه لديا