سلوا قلبى غداة سلا و تاب***لعل على الجمال له عتابَ
ويسأل فى الحوادث ذو صواب*** فهل ترك الجمال له صوابَ
وكنت إذا سألت القلب يوما ***تولى الدمع عن قلبى الجوابَ
ولى بين الضلوع دم ولحم***هما الواهى الذى ثكل الشبابَ
تسرب فى الدموع فقلت ولّّى***وصفق فى القلوب فقلت تابَ
ولو خلقت قلوب من حديد ***لما حملت كما حمل العذابَ
ولا ينبيك عن خلق الليالى***كمن فقد الأحبة و الصحابَ
فمن يغتر بالدنيا فإنى*** لبست بها فأبليت الثيابَ
جنيت بأرضها وردا وشوكا***وذقت بكاسها شهدا وصابا
فلم أر غير حكم الله حكما*** ولم أر غير باب الله بابَ
وأن البرخير فى حياة***وأبقى بعد صاحبه صوابَ
نبى البر بيّنه سبيلا***وسن خلاله وهدىالشعابَ
وكان بيانه فى الهدى سبلا***وكانت خيله للحق غابَ
وعلمنا بناء المجد حتى***أخذنا إمرة الأرض اغتصابَ
وما نيل المطالب بالتمنى*** ولكن تؤخذ الدنيا غلابَ
وما استعصى على قوم منال***إذا الإقدام كان لهم ركابَ
أبا الزهراء قد جاوزت قدرى*** بمدحك بيد أن لى انتسابَ
فما عرف البلاغة ذو بيان***اذا لم يتخذك له كتابَ
مدحت المالكين فزدت قدراً***وحين مدحتك اجتزت السحابَ


إحدى القصائد الخالدة لأمير الشعراء احمد شوقي و’’سلوا قلبي’’ ليست باستثناء، بل ربما كانت أحد أفضل الأمثلة.



سلوا قلبي غداة سلا وتابا *** لعل له على الجمال له عتابا
تبدأ هذه القصيدة في سلاسة وهدوء ومثل كل القصائد العربية التقليدية فهي تنحو في مقدمتها منحى يتعلق بشؤون الفؤاد والنجوى والحيرة إزاء ما يجتاح القلب من الجسم، حسب الرؤية العربية له، من تقلبات وعدم استقرار. ولكن لم الشكوى والضيق من عضو في البدن لايأتمر بأمر العقل، ولا يسلك سلوك الرشاد وهو المتقلب، المتغير التابع للجمال والعاطفة.


ويسأل في الحوادث ذو صواب *** فهل ترك الجمال له صوابا
وكنت إذا سألت القلب يوماً***تولى الدمع عن قلبي الجوابا
هنا يبدأ شوقي بالتصعيد وياخذ بالقارئ في قوله ‘’الدمع’’ إلى الشعور بانه يكاد يبكي ويستفيد من حرف العلة ‘’الألف في ‘’الجوابا’’ للانتقال بالقارئ إلى درجات أعلى من الأجواء...


ولي بين الضلوع دم ولحم *** هما الواهي الذي ثكل الشبابا
فيعود إلى درجات أدنى وأهدأ للتمهيد إلى درجة أعلى في كلمة ‘’الضلوع’’ في البيت التالي حيث ينتقل بالقارئ إلى جنبات متعددة وكأنه يجول بك في الجوف وبين الضلوع، مصوراً رحلة القلب وفي موقعه وسط الصدر ومسبغاً عليه صفات الحركة والقيام بالتصفيق.


تسرب في الدموع فقلت ولى *** صفّق في الضلوع فقلت ثابا
ولو خلقت قلوب من حديد ****لما حملت كما حمل العذابا
ثم يفاجئك بالإنتقال بالمعنى إلى التسليم إلى المقادير وإعطاء القلب العذر فيما يفعله وما يفعل به.
ويعطي لقلبه الوسيلة، بالقول بأن ما يحمله يفوق ما تتحمله من قلوب من حديد. هذا الانكسار ، والركون إلى الواقع والقبول بالأسوأ هو قبول بشري بضعف الإنسان أمام عواطفه وآماله التي لا تتحقق. فالمقادير هي السيدة، وقدرة الإنسان على الفعل محدودة.
وإن لم تقبل هذا الأمر ولازلت بعيداً عن التسليم فالبيت التالي كفيل بتحقيق الأثر. فليس أقدر على تبيان مأساة الإنسان كتتالي فقده للأحبة والأصدقاء. هذه هي المقدمة للموت، فموت المحيطين هو بداية موت الفرد والأصعب إن كان الموتى هم الأحبة والصحاب.


ولا ينبيك عن خلق الليالى***كمن فقد الأحبة و الصحابَ
فمن يغتر بالدنيا فإنى*** لبست بها فأبليت الثيابَ
جنيت بأرضها وردا وشوكا***وذقت بكأسها شهدا وصابا

هذا هو الدرس الأكبر، والنتيجة المستقرة في العقل، بهذا تبلغ القصيدة قمة عالية ربما فاقت القمة الأكثر شعبية والأكثر انتشاراً والمرتبطة بالبيت الذي اشتهرت به القصيدة وهو القول:
وما نيل المطالب بالتمني ***ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.


ويليه البيت المتعلق بـ ‘’خلق الليالي’’ التحذير من الاغترار بالدنيا...
فبعد الحزن والتسليم والكمد الأبدي ينبري الشاعر في تنبيه يقرب من التهديد للمستمع بعدم الوقوع في المصيدة وعدم الانخداع بالمظاهر من هذه الدنيا القصيرة الفانية، التي لا تعطيك من المسرات إلا لتتبعها بالأحزان والآلام

ولا ينبيك عن خلق الليالى***كمن فقد الأحبة و الصحابَ
جنيت بأرضها وردا وشوكا***وذقت بكأسها شهدا وصابا
هنا تتوقف الأمور كلها حيث يبدأ الدين فالحكم هو حكم الله ولا غير ذلك، والباب هو باب العلي القدير لا مدخل من غيره ولا مخرج من سواه.

فلم أر غير حكم الله حكما*** ولم أر غير باب الله بابَ

ثم تختم القصيدة بالمديح النبوي في أجمل صوره
نبى البر بيّنه سبيلا***وسن خلاله وهدى الشعابَ
وكان بيانه فى الهدى سبلا***وكانت خيله للحق غابَ
وعلمنا بناء المجد حتى***أخذنا إمرة الأرض اغتصابَ

ولقد تداخلت حين برزت بالمعارك الوطنية التي كان يخوضها الشعب المصري حينها، واعتبرت الابيات التالية وخاصة (( وما نيل المطالب بالتمني )) الشهير بمثابة تحريض على الثورة ضد الإنكليز.
وعلمنا بناء المجد حتى***أخذنا إمرة الأرض اغتصابَ
وما نيل المطالب بالتمنى*** ولكن تؤخذ الدنيا غلابَ
وما استعصى على قوم منال***إذا الإقدام كان لهم ركابَ

يبقى القول بأن (سلوا قلبي) قد جمعت بين الشعر الغزلي المقارب للتصوف والسياسي المتصف بالوطنية والديني المتخذ من مدح الرسول مدخلاً.