نويت السفر إلى جهة لي فيها مآرب توزعت على الزيارة تارة و السياحة أخرى فحزمت أمتعتي مع كل الأحاسيس التي تنتاب المسافر عند خروجه لهذا الغرض .. ذهبت مبكرا و انتظرت الحافلة حتى قدمت ثم توقفت أمام الوكالة عندها حملت حقيبتي و اتجهت صوبها و اذا بالسائق يقف جنب صندوق الأمتعة فسلمت عليه فلم يرد أو هذا ما شعرت به ..كان عابسا منتفخ العينين من أثر الرقاد متجهما لا يهوى الحديث على الأقل في تلك الآونة. صعدت الحافلة و حرصت أن أجلس في مكاني (رقم الحجز) فإذا به يصعد الحافلة و يسألني بلهجة خشنة (واش من نميرو عندك؟؟) أي ماهو رقم حجزك؟ فقلت له 03 ! لم يتوقع جلوسي هناك ..و كأنه كان متأكدا أن هذا المكان مخصص فقط لبعض معارفهم و أقاربهم و من يروق لهم. لم يقل كلمة واحدة بعدها فساق حافلته وصولا إلى نقطة الانطلاق الرسمية أين صعد أغلب المسافرين و أخذوا أماكنهم وفق التعليمات المعطاة من القبطان ذاته .. جلس بجانبي شاب أسمر فبادرني بالحديث بلكنة غير بعيدة عن لهجتنا السوفية (وادي سوف) فقال أنه أمضى يومه مترددا على بعض الأماكن القريبة من الوكالة كونه لا يعرف المدينة و ضواحيها فقلت له كيف ذلك و أنت من هذه المنطقة؟ فأدخل يده إلى جيبه و أخرج جواز سفره مؤكدا : أنا تونسي أنظر ..أممممممم تونسي لا يبدو عليك ذلك و هذا دليل على وحدة شعوب هذه الجهة ..فتبادلنا أطراف الحديث حول اللهجات و العادات و الأعراف إلى أن فاجأنا سائق الحافلة الموقر باخراج ولاعته فأوقد سيجارة ..يا سلام هذا ما ينقصني خاصة و أنني حساس لدخانها ..لم أعقب صبرت كوني أعرف (العقلية) و أتممت حديثي مع صاحبي في السفر ذلك التونسي فتوقفت الحافلة في أحد النقاط المعتادة فاستسمحني أن يشعل هو بدوره سيجارة فلم أبدي رفضا و لا قبولا ..أشعل المسكين السيجارة و أشعله السائق بوابل من الكلمات و أمره باطفائها فما كان على السيد إلا الاذعان ..طبعا اغتظت كثيرا وانتظرت (متربصا) لحظة اشعاله السجارة فطلبت منه اطفاءها فتعجب (الفاهم) من ذلك و قال لي (قدرك عالي) ثلاثة أشياء لا أسأل عنهم و أنا أسوق الحافلة (المذياع) و (النافذة..يقصد نافذته الصغيرة ) و (الدخان) قلت له سبحان الله ما أروع منطقكم تقدمون راحة السائق على راحة المسافر ..حتى أنه طلب منه التوقف لأداء الصلاة و تناول وجبة العشاء فرفض و لولا موجة الغضب و الصراخ لما توقف و استمر في عناده و بلادته.