فكرة انشاء الكشافة

معروف ذلك المثل الذي يقول بأن خطوات الألف ميل تبدأ بخطوة واحده ، كان ذلك ينطبق على بادن باول حيث بدأ أولى خطواته في بناء القاعدة الأساسية للحركة الكشفية والتي أعطت ثمارها فيما بعد من تلك البذرة الصالحة التي زرعها بادن باول حيث أكسبته تجربته الحياتية وبخاصة في المجال العسكري الكثير ليضيفه الى الفكرة التي كانت تراوده والتي اتخذ من الجانب التربوي أساسا لها حيث وجد في الغابة التي تجاور المدرسة ما حرك فيه كل ساكن ، فبعث في نفسه الخيال والرغبة ودعاه الى حب الحياة والكفاح في سبيلها ، فقد وجد فيها أهم عناصر الكشفية حيث يقول ( لكأني أحيا ذلك في الأمس القريب وليس لخمسين سنه انقضت ، فتراني أتعلم أنصب الفخاخ للأرانب وأشوي غنيمتي على نار ضعيفة وأن أضرب بالفاس الضربة المحكمة وأن أعبر فجوة من الأرض فوق جسر من شجرة مقطوعة وأن أمشي بين الأدغال دون أن يرتفع لقدمي صوت وأن آنس بالعصافير والحيوانات أتقرب اليها متوددا ولاأقتحمها اقتحام عدو مهاجم ، وأن أخفي آثار خطواتي ،وأن أتسلق شجرة ، فأبقى بين أوراقها مخنوق النفس ساكن الحركة وكنت أكتشف مكامن الطيور والحشرات وكل ما هب ودب ، ذكريات تمر الآن أمام عيني وكأنها من وقائع الأمس ، كم أحببت في حداثتي كرة القدم والرياضة والجري لقد مضت كلها مع أوقاتها ، ولم تترك بعدها في قلبي الا الذكريات التي علمتني أن الساعات التي قضيتها أتصيد وأكتشف وأنظر وأتأمل وأشعر لاتزال حية في نفسي ، فلقد علمتني أن أكتشف لذة الحياة ونعيمها ) ..بادن باول الذي ابتدأ جنديا غير انه انتهى كشافا حيث سلك سبيل الكشفيه حيث لا طفرات وانقلابات وثورات وتحولات ، لقد سارت حياته سيرها الطبيعي ، ترفعه الدرجة منها الى ما فوقها من درجات السلم في صعود أمين وتطور صحيح سليم ، فالجندية هي التي أعدته للكشفية وقادت خطاه اليها، وارتقت به في مراقيها ، فأخذ من الجندية روحها ونفخها في الكشفية نفخة صحة وحياة ، لهذا فقد أتت الكشفية استكمالا للجندية وتوسيعا في معناها وارتقاءا بأساليبها على نطاق شمل الكبير والصغير والشاب والطفل والفتى والفتاة ، وحقيقة الأمر أن الكشفية لاترمي مطلقا الى أهداف عسكرية وبادن باول في خضم تفكيره وهو الذي طاف بلاد الهند وأقطار أفريقية ورأى كيف يستذل الأنسان أخاه الأنسان ،وشاهد كيف يفرق بين الأجناس والأديان والألوان ، فتألم لذلك وثار ضميره فعزم أن يعمل عملا يقلل الفوارق والحواجز بين الناس وكلهم من آدم وحواء فعزم على هذا الأمر الذي كان يلقى هوى في نفسه خلال مسيرته في الحياة ......
ولو أننا تعمقنا في المنبع الذي انبثقت منه الحركة الكشفية لأشرنا الى أفريقيا حيث قضى (بادن باول) جل حياته في هذا المكان من العالم ، ولعل اعجابه بقبائل الزولو في جنوب أفريقية ، حيث بلغ من شدة عنايتهم بتربية أبنائهم انه اذا بلغ الفتى الخامسة عشرة من عمره
يجردونه من ملابسه ويطلون جسمه بطلاء خاص لايزول الابعد ثلاثين يوما فان عاد قبل نهايته قتل ، لذا عليه أن يعيش في الأدغال وبين الحيوانات المفترسة وبما تزخر به الغابه فكان عليه أن يروض نفسه على الحياة بينها حتى يعرف طريقه فيها بدراسة طبائع الحيوانات ومواجهة الصعاب والأهوال فان عاد استقبل كفارس في القبيلة ويقيمون على شرفه حفلا ابتهاجا بنجاته ومقدمه ثم يقلدونه (سيف الجندية) .. .
بين هذه القبائل عاش( بادن باول ) ورأى نظامها وعرف عاداتها وتقاليدها وأعجب بها وسرمن نظامها في تربية أبنائها فكانت عونا له على تكوين مشروعه الذي أطلق عليه اسم (الكشافة)....
واسنطاع بادن باول بعد ان اتيحت له دراسة خاصة للهنود الحمر في أمريكا أن يحدد مسارات الحركة الكشفية بنظام اعتبره أقرب الى نظام الكشافة وذلك من خلال زيارته (سير توماس ستون ) الذي كان مديرا لأحدى شركات قطع الاخشاب في كندا حيث لاحظ البون الشاسع بين أولاد الهنود الحمر – وهم سكانها الأصليون- وبين أولاد الجاليات الأجنبية، فقد كان الهنود الحمر يدربون أولادهم على اختراق الفيافي وتلمس الطرق في الغابات الكثيفة والاهتداء الى السبل في الليالي المظلمه والحيل العجيبة في التستر والاختفاء بينما كان أولاد الجاليات الاجنبية يتناقصون بسبب أن عددا كبيرا يضل طريقه في الغابة فلا يستطيع العودة بالاضافة الى الأمراض المتفشية بينهم لما كان يبدو عليهم من ضعف عام وعجزعن احتمال المشاق ، فكر (سير توماس) أن يكوّن من أولاد هذه الجاليات فرقا وسن لهم بعض القوانين فحرم عليهن التدخين وشرب الخمور وأخذ يعودهم على اختراق الفيافي ويمرنهم على اقتفاء الأثر ويعلمهم بعض الحرف النافعه.....
أعجب- بادن باول- بهذا النظام وصادف هوى في نفسه الا أن حصار( مافكينج) أيقظ هذه الفكرة ، ومن تلك اللحظه تأكد له ان الأسلوب الكشفي يمكن نشره بين الفتية والاعتماد عليهم في تحمل التبعات والشعور بالمسؤولية
كان بادن باول ضابطا في الجيش الانكليزي عندما حاصرت قبائل البوير مدينة مافكنج ولم يكن بها غير حامية قليلة العدد ولم تكن الحامية كلها مشتركة في الدفاع عن المدينه بل ان عددا منهم كان يقوم بالخدمات العامة للمحاربين كالطهي والاسعاف وكانت حدود المدينة مترامية الاطراف يصعب على باقي الحامية حمايتها ، وكان أن فكر بادن باول في جمع بعض فتيان المدينة وشبابها ودربهم على أعمال الاسعاف والطهي وارسال الرسائل وغيرها من أعمال الدفاع المدني واستطاع هؤلاء الفتية أن يحلوا محل الجنود الذين كانوا مكلفين بالقيام بهذه الخدمات وبذلك أتيح للحامية أن تشترك جميعها في القتال وبالفعل تمكنوا من رفع الحصارعن المدينة الى أن وصلت اليه التعزيزات حيث استمرالحصار 217 يوما فشلت قبائل البوير وهم مهاجرين من أصل هولندي من دخول المدينة ، هذا الصمود كان كافيا
ليجعل منه بطلا وطنيا بفضل ما أداه هؤلاء الصغار من أعمال كانت مثار الدهشة والاعجاب فكانت أعمالهم تتلخص بما يشبه واجبات الدفاع المدني ومساعدة الجيش في تقصي المعلومات عن الأعداء ورصد الاشاعات المضادة والاسعافات الاولية ومساعدة الجرحى كما في عصرنا هذا وكان أقام لهم معسكرات في خيام وألقى عليهم محاضرات في حب الوطن والدفاع عنه وقال ان بطولاتهم جعلته يفكر في اقامة فرق تطوعية ، تنظم نفسها وتشترك في الاعمال المدنية وفي أول معسكر في جزيرة (براونسي)جمع عشرين صبيا في 1907 وأجرى لهم منافسات ومسابقات وعلمهم فنون نصب الخيام واعداد الطعام ونظافة المكان وهكذا بدأت أول فرقه كشافة في العالم ، وأخلص لها بادن باول حتى كبر في السن ،عندما عاد بادن باول الى انكلترا ، بدأ في سنة 1907م يدعو الى انشاء كشافة السلم التي شرحها بأنها وسيلة لتدريب الفتى على الاعتماد على نفسه وتكوين شخصيته وتنشئته تنشئة وطنية اجتماعيه تبعث في نفسه الاعتزاز والايمان بوطنه وتزوده بالمثل العليا التي يجب أن تتوافر في المواطن المستنير .. وفي عام 1908م أصدر أول كتاب كشفي هو (الفتيان الكشافة) وهوالذي كان أساسا قامت عليه حركة الكشف...
[IMG]file:///C:/DOCUME~1/hussain/LOCALS~1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image002.jpg[/IMG]وبدأت الحركة في الانتشار وأخذت الأمم بأساليب الكشافة وتعاليمها فانتشرت في جميع أنحاء العالم ، لكن قيام الحرب العالمية الاولى (الحرب العظمى) كاد أن يقضي على هذه الحركة ،وقد رأى الكثيرين يومذاك أن الحرب العالمية سوف تقضي على الكشفية كحركة محلية أو كحركة عالمية اذ كيف يعقل أن لايخوض الكشافة المعارك فيما بينهم وهم مواطنين لدول تعادي بعضها البعض لقد أشغل هذا الأمر الجميع ولكن الأمور لم تكن كما كان متوقعا بل أن انتهاء الحرب أعطى للكشفية دفعة جديدة نحو الأمام ومما يذكر أن القائد العام للقوات البريطانية طلب من بادن باول أن يبقى على رأس حركته لكي يخدم وطنه في بلده من خلال اهتمامه بأمور الشباب في هذا الوقت ، غيرأن فرق المتطوعين من الكشافة أبدوا الكثير من البساله والشهامه ما جعل الناس ينظرون بعين الاعجاب لهذه الحركه وبأنها ترمي الى غرس روح الوطنية الصحيحة التي تدعو للتضحية والفداء في سبيل الوطن ورفعة شأنه والدفاع عنه وهذا مما ولد القناعه لدى بادن باول أن الكشفية تستطيع بل يجب أن تنمو كحركة عالمية في سبيل الخير
القائد الكشفي /عدنان عبد كدر /ذي قار / العراق