الجِيروسْكُوب
أو الجيرو، جهاز يستخدم الدوران لإحداث اتجاه ثابت في الفضاء. ويتكون أي جيروسكوب من عجلة أو كرة غزل يُطلق عليها الدوار، ونظام إسناد. وعندما يبدأ الدوار في الحركة فإن الجيروسكوب يقاوم أي محاولة لتغيير اتجاه دورانه. ومن أجل هذه الخاصية يستخدم الجيروسكوب كثيرًا في الطيران وفي معدات الملاحة. يعطي الجيروسكوب معلومات عن مسار الطيران دون تأثُّر بالاضطرابات أو الدوامات الهوائية أو البحار الهائجة.

ويوجد نوع من الجيروسكوبات يجمع بين الدوران والانحراف، ويساعد قائد الطائرة في تقدير موقع طائرته في الجو. وتُستخدم الجيروسكوبات الضخمة بمثابة مثبتات لتخفيض تمايل السفن في البحر. وتستخدم قيادة الطائرة أو السفينة الأوتوماتية المزودة بالجيروسكوبات في عملية التوجيه إلى المسار الصحيح بصورة أفضل من الإنسان. وأجهزة الجيروسكوبات ضرورية أيضًا لتوجيه الطوربيدات، والصواريخ، والأقمار الصناعية، والمركبات الفضائية.


خواص الجيروسكوبات
الجيروسكوبات مفيدة في الكشف عن تغير الاتجاه، اعتمادًا على خاصية الأجسام الدوامية. وتتصف جميع الأجسام الدوامية بخاصيتين هما: 1- القصور الذاتي الجيروسكوبي 2- المبادرة الجيروسكوبية



القصور الذاتي الجيروسكوبي يعني ميل الجسم الدوامي نحو مقاومة تغيير اتجاه محوره. وهذه الخاصية تجعل محور القمة الدوامية (أعلاه) مستمرًا على الدوران بشكل مستقيم إلى أن تبطئ القمة من حركتها.
القصور الذاتي الجيروسكوبي. هو نزوع الجسم في حالة دورانه وميله لمقاومة أية محاولة لتغيير اتجاه محور الدوران. فالأرض على سبيل المثال، تدور حول محورها، وهو الخط الوهمي الذي يصل بين القطبين الشمالي والجنوبي. ونظرًا لوجود القصور الذاتي الجيروسكوبي، فإن المحور الشمالي للأرض يظل مشيرًا إلى النجم الشمالي، وذلك مع تحرُّك الأرض في مدارها حول الشمس.

يشير محور الدوران الجيروسكوبي دائما إلى نقطة ثابتة في الاتجاه نفسه؛ بغض النظر عن كيفية حركة حامل الجيروسكوب. ويعتمد مقدار قوة القصور الذاتي على كيفية توزيع وزن الدوار وسرعة دورانه. وتكون الجيروسكوبات، التي يرتكز معظم ثقلها عند حافة الدوار، ذات أعلى قدر من القصور الذاتي، ولهذا فإنَّ عجلة الدراجة تمثل جيروسكوبًا جيدا. ولكن عند دوران قلم رصاص حول نقطة، فإنه لا يمثل جيروسكوبًا جيدا. وإضافة إلى ذلك كلما زادت سرعة دوران الدوار ارتفع مقدار القصور الذاتي الذي يكتسبه الجيروسكوب.



المبادرة ميل الجسم الدوار نحو الحركة بزاوية قائمة باتجاه القوة المطبقة عليه. هنا نجد أن عجلة الدراجة تتقدم عند بذل قوة في إحدى جهتي محورها.
المبادرة الجيروسكوبية. أي نزوع الجسم ـ في حالة الدوران ـ للتحرك بزوايا قائمة على اتجاه أي قوة تحاول تغيير اتجاه دورانه، ويمكن استخدام المبادرة الجيروسكوبية في توجيه طوق متدحرج. فالطوق لن يسقط وإنما يستمر في التدحرج؛ بشرط أن تكون عملية الدفع من الجانب ضد القمة. وهو في هذه الحالة يلف فقط حول منعطف. وتكون مبادرات الطوق أو الدوران بزوايا قائمة على القوة المستخدمة. وبالمثل فإن الدوران الجيروسكوبي يتحرك بزوايا متعامدة على اتجاه أي قوة تحاول تغيير اتجاه محوره. ومبادرة الكرة الأرضية نفسها ضعيفة نظرًا لشدة جاذبيتي كلٍّ من الشمس والقمر اللتين تعملان على إمالة الكرة الأرضية.




أنواع الجيروسكوبات


جيروسكوب ثنائي درجة الحرية له دوار ومحور مركبان على حلقتين مرتكزتين تسميان محورانيين تمكنان المحور من المحافظة على اتجاه دورانه عندما يتحرك ساند الجيروسكوب.
الجيروسكوبات الآلية. تتكون الجيروسكوبات الآلية، في العادة، من الدوار ومحور عجلات تُدعَّم بهيكل مثبت وقاعدة. وفي الجيروسكوبات ـ وحيدة درجة الحرية، يكون جانب الدوار مثبتًا على حلقة، يطلق عليها محورانية، وهي مزودة بمحور ارتكاز في جانب هيكل الجيروسكوب. ويمكن للجيروسكوب عندئذ أن يدور بحرية حول خط وهمي عمودي على محور عجلات الدوار. وللسماح للجيروسكوب بالدوران في اتجاه آخر يتم ذلك من خلال تثبيت المحورانية، على محامل بداخل محورانية أخرى. ويدعم الهيكل والقاعدة كلاًّ من المحورانيتين، ولهذا يكون محور عجلة الجيروسكوب حراً عندئذ، ليشير إلى الاتجاه نفسه، بغض النظر عن كيفية الاتصال بالهيكل. ويطلق على الجيروسكوبات التي تحوي محورانيتين الجيروسكوبات ثنائية درجة الحرية.

تُدار الجيروسكوبات الدوارة بمحرك كهربائي، أو نفاثات من الهواء عالية السرعة. ويمكن أن يكون عرض الأجزاء الدوارة المستخدمة في جيروسكوبات معدات الطائرة أقل من خمسة سم، وتدور بمعدل 30,000 دورة/دقيقة. ومن جهة أخرى فقد بنيت في عام 1933م ثلاثة جيروسكوبات ضخمة بلغ عرضها أربعة أمتار. واستُخدمت هذه الجيروسكوبات في الموازنات الجيروسكوبية لعابرة المحيطات المعروفة باسم كونت دي سافويا. وبلغ وزن الجزء الدوّار الواحد حوالي 100 طن متري، وكانت تدور بمعدل 800 دورة/دقيقة.

لابد أن تُصنع المحامل التي يدور حولها الجيروسكوب بدقة فائقة، بحيث يكون الاحتكاك أقل ما يمكن. ويسبب الاحتكاك انحراف محور الدوَّار بعيدًا عن موقعه الصحيح. وتستخدم أفضل الجيروسكوبات كرات محامل ملساء جداً ومستديرة. وتُجمع هذه الجيروسكوبات في غرف نظيفة لا نوافذ لها، لأن وجود أقل قدر من التراب يمكن أن يؤثر على أداء الجيروسكوب. كما يمكن أيضًا منع أي احتكاك، وذلك من خلال تعويم الدوَّار في سائل أو بطبقة رقيقة من غاز مكيَّف الضغط.


الجيروسكوبات المعلقة كهربائيًا. تُعد الجيروسكوبات المعلقة كهربائيًا من بين أكثر الجيروسكوبات دقة في الصنع. والجزء الدوار في هذه الجيروسكوبات كرة خفيفة من البريليوم. وتعلَّق هذه الكرة في فراغ بفعل القوى الكهربائية، وتقوم القوة المغنطيسية المتولدة بعملية الدوران الترددي.



جيروسكوب الليزر يوفر التوجيه دون استخدام دوار دوامي. يمرر شعاعان من الليزر في اتجاهين متعاكسين حول ممر داخل الجيرو. وعندما يميل الجيرو بسبب تغيير الاتجاه يقوم الكاشف بتسجيل التغير الناتج في العلاقة بين الشعاعين.
جيروسكوبات الليزر. تُقدِّم الجيروسكوبات العاملة بالليزر معلومات عن الاتجاهات دون الحاجة إلى دوران العضو الدوار. وفي جيروسكوبات الليزر يتم إرسال شعاعين من أشعة الليزر في اتجاهين متعاكسين حول ممر معروف الشكل، قد يكون مثلثًا أو مستطيلاً، ويعرف باسم الحلقة. وفي البداية تنطلق موجات الليزر الخفيفة جميعها في دفعة واحدة بعضها مع بعض. ولكن إذا حدث ميل للجيروسكوب ـ كما في حالة دوران الطائرة ـ فإن أحد هذين الشعاعين سيصل إلى مسافة أطول من الشعاع الآخر، وذلك لإتمام مسار الحلقة. ونتيجة لذلك فسيكون الشعاعان خارج حزمة الضوء بعد الانتقال حول المسار. وعندئذ تحلل أجهزة الحاسوب مقدار خروج الأشعة عن حزمة الضوء، وتحسب التغيُّر في اتجاه الطائرة وتتحكّم في الاتجاه تلقائيًا.




نبذة تاريخية
صُنع أول جيروسكوب يُشبه الجيروسكوبات الآلية الحديثة عام 1810م، وقام بصنعه المخترع الألماني جي.سي.بُوننبرغر. وفي عام 1852 بنى جان فوكوه الفيزيائي الفرنسي جيروسكوبًا ليوضح كيف تدور الأرض حول محورها. وقد أطلق فوكوه عليه اسمًا لاتينيًا مكوِّنًا من مقطعين يروز، ويعني دائرة أو حلقة، وسكوبي، وتعني منظرًا أو طلقة. وأساس التسمية هنا أن الجيروسكوب قد مكّنه من رؤية كيفية دوران الأرض حول محورها.

وقد طوِّر أول طوربيد يتحكم فيه الجيروسكوب في العقد الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، كما اختُرعت أول بوصلة جيروسكوبية عام 1908م، على يد المهندس الألماني هيرمان أنشتز كامبف. وفي عام 1911م تمكن العالم الأمريكي إلمر أمبروز سبيري ـ وهو مخترع وصانع ـ من تطوير البوصلة الجيروسكوبية للسفن وتحسينها. كما أنتج سبيري أيضًا موازنات جيروسكوبية للسفن، وكذلك أول معدات جيروسكوبية للطائرات.

وقد استُخدم كل من دليل مُعَدَّل الدوران، وجيروسكوب الاتجاه والأفق الاصطناعي في الطائرات أثناء الحرب العالمية الثانية؛ في الفترة من 1939 - 1945م. وساعدت هذه المعدات في الطيران الليلي الآمن، والاقتراب بدقة من خط الهبوط ليلا؛ً على الرغم من وجود السحب أو الضباب.

في نهاية أربعينيات وبداية خمسينيات القرن العشرين الميلادي بنى تشارلز إس. دريبر، وعلماء آخرون في معهد ماساشوسيتس للتقنية، أول نظام للتوجيه ذي القصور الذاتي، وكان نظامًا عالي الدقة. واستخدمت هذه النظم تزاوج الجيروسكوبات ومعدات التوجيه الأخرى للتحكّم في اتجاه المركبة. انظر: التوجيه بالقصور الذاتي.

يرجع تاريخ الجيروسكوبات المعلَّقة كهربائيًا إلى خمسينيات القرن العشرين. ومع بداية السبعينيات من القرن العشرين، توصل المهندسون إلى درجة تقربُ من الكمال في استخدام الجيروسكوبات في الطائرات. وبنهاية السبعينيات اختير نظام التوجيه بالقصور الذاتي مستخدمًا جيروسكوب الليزر في الخطوط الجوية. ويعمل العلماء، في هذه الأيام، على تطوير أنواع جديدة من الجيروسكوبات، مثل جيروسكوب الليزر ذي المادة الجامدة، والذي يرُسل ضوءًا خلال ألياف زجاجية شفافة خاصة، وهذا يقلِّل كثيرًا من تكلفة المعدات